كلمة المحرر

 

نحن قوم أعزَّنا الله بالإسلام

 

 

 

 

        يتوالى على المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ويلات ونكبات، لها أول وليس لها آخر، و رغم وحشية ضرباتها و دمويتها أصبح الإنسان المسلم اليوم أخس من اللئيم على مأدبة اليتيم، وعاد أشد حرمانا من بعض الحيوانات التي يكيل لها العالم اهتماماته وعناياته، وتعمل وسائل الإعلام بشتى صورها وأنواعها، على إثارة الخوف والفزع من انقراضها وتلاشيها من على وجه الأرض، فيما إذا استمر التقصير في العناية بها والتعهد لها، أمثال الفيلة والحيتان. وكم من مذابح نفذت ضد المسلمين يتغافل عنها و يتناساها لا المنادون بحقوق الإنسان فحسب؛ بل المسلمون أنفسهم، وكم من مجازر مورست ضدهم- المسلمين- في أدنى الأرض و أقصاها في ضوء النهار وظلام الليل لاتغطيها وسائل الإعلام المحلية أو العالمية، وإن ذكرت فإنما تذكرها مشبوهةً أو مغلوطةً في زاوية منسية من مجلة أو صحيفة، فلاتنقل الأحداث إلى الأذهان بحرارتها، فلا تُحْدِث أثرًا في جنبات العالم، ولايُحَرِّك ساكنًا في إخوانهم الحكام المسلمين فضلًا عن غيرهم، وكأنهم كما قال الشاعر العربي:

تَآمَرَتْ نَكَبَاتُ الدَّهْرِ تَرْشُقُنِي   *    بِكُلِّ صَائِبَــةٍ عَنْ قَـوْسِ غَضْبَـانِ

     ومن سنة الله تعالى أن الأمة التي تحيد عن شريعته - بعد أن أكرمها الله تعالى بها - تستحق عذابه وعقابه، وإذا كانت الأمة هي الإسلامية - وقاها الله تعالى عقوبةَ إبادة واستئصال - فإنه يعاقبها بقوارع الدهرو كوارث الحياة، ويحرمها نصرَه ومعيتَه، فتلاحقها الأحداث التي تقشعّر لها الجلود، ويذيقها الأعداء سوء العذاب ويسومونها الجوع والخوف، وتطحنها النكبات والويلات حتى تفيء إلى أمر الله تعالى، و تعود إلى تطبيق شرعه بحذافيره في نفسها وفي شؤون حياتها كلها، يقول الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ الله فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل/112] ، ويقول تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ الله فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الأنفال/52-53]، ويقول تعالى مُهَدِّدًا كل من سَوَّلَتْه له نفسُه الخروجَ على شريعة الله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ [المائدة/49]

     والحق أن ما أصابت الأمة الإسلامية من اهتزاز بنيانها وتفرق شملها وتردّي أوضاعها، و اندلاع نارالعداوة والشحناء بينها، وتسلط لئام الخلق عليها يتخذونها مطيةً ذلولًا، لتنفيذ مخططاتهم و سياساستهم العدوانية الغاشمة ؛ إِنْ كل ذلك إلا بسبب ابتعادها عن شريعة الله التي ليلها كنهارها، و انحرافها عن المحجة البيضاء التي لايزيغ عنها إلا هالك. والناظرفي أحوال الأمة الإسلامية عبر تاريخها يدرك أن المسلمين لم يُؤْتَوْا من ضيق ذات اليد والشح في الموارد؛ وإنما أُتُوا من غفلتهم عن المنهج الرباني، الذي يعصمهم من ذهاب الريح و الفشل في مواجهة أعدائهم. وهل من سبيل إلى إنقاذ الأمة من دوامة النكبات والتيه والضلال إلا سلوك ما سلكه أولها وسلفها، وهو العض بالنواجذ على المنهج الرباني و السنة النبوية؛ فإنا «نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله».                 [التحرير]

 

(تحريرًا في الساعة الثانية عشرة من  الأربعاء: 19/ربيع الأوّل 1437هـ = 31/ديسمبر 2015م)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم ديوبند ، جمادى الأولى 1437 هـ = فبراير – مارس 2016م ، العدد : 5 ، السنة : 40